الخنساء
إنها تماضر بنت عمرو بن الحرث المعروفة باسم الخنساء بنت عمرو (575 - 664) وكانت تسكن في إقليم نجد ولقبت بهذا الاسم بسبب ارتفاع أرنبتي أنفها وكانت من أجمل النساء .
والخنساء من أشهر شعراء الجاهلية، وقد طغى على شعرها بعد مقتل أخويها معاوية وصخر الحزن والأسى والفخر والمدح، وقال عنها النابغة الذبياني: "الخنساء أشعر الجن والإنس" .
عرف عن الخنساء قوة شخصيتها وعقلها الراجح لذلك كان يهابها الرجال، شاهدها دريد بن الصمة ذات يوم وهي تطعم بعيراً لها، فسأل عنها وعرف أنها تماضر بنت عمرو، وما ان أقبل الصباح حتى كان في دار أبيها يطلب يدها إلا أنها رفضت وعللت ان أبناء عمومتها أولى بها وكانت النساء في عصرها لا تخير إلا أن مثل الخنساء وما عرف عنها من رجاحة عقلها جعل والدها يقف عند رغبتها
تزوجت من عبد العزى السلمي، وأنجبت منه “أبو شجرة” عبد الله، وكان عبد العزى مقامراً إلا ان الخنساء أصرت على الحفاظ على بيتها وهو ما ظنه عبد العزى حباً وهياماً له فزاد في عناده وانحرافه، فكان يطالبها بالمال ويجعلها تسأل أخيها طالبة المال ليقامر به وفي حالة رفضها، يظهر ضيقه منها ورغبته عنها، فتأتي بالمال لاسترضائه، حتى ضاق بها الحال تاركة له البيت وعائدة إلى بيت أبيها وتم الانفصال عنه.
تزوجت مرة أخرى من مرداس بن أبي عامر السلمي وأنجبت منه العباس ويزيد ومعاوية وبنت اسمها عمرة، لقب مرداس بالفيض لشدة كرمه إلا انه سرعان ما توفى في إحدى مغامراته تاركاً الخنساء وحيدة مع أولادها.
قدمت الخنساء مع قومها بني سليم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعلنوا إسلامهم وأسلمت الخنساء معهم، فكان الرسول صلوات الله عليه يقربها منه ويستنشدها فكانت تنشده فيعحب بشعرها ويستزيدها قائلا «هيه يا خنساء»
ويروى أن أبناء عمها شكو بكائها إلى الخليفة عمر بن الخطاب فقالوا له : يا أمير المؤمنين هذه الخنساء قد قرحت مآقيها من البكاء في الجاهلية والإسلام فلو نهيتها لرجونا ان تنتهي، فقال لها عمر : اتقي الله وايقني بالموت فقالت الخنساء : أنا أبكي أبي وخيري مضر صخرًا ومعاوية، وإني لموقنة بالموت، قال عمر : أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة في النار؟ فقالت : ذاك أشد لبكائي عليهم، فكأن عمر قد رق لكلماتها واشفق عليها فقال لهم : خلوا عجوزكم لا أبا لكم، فكل امرئ يبكي شجوه ونام الخلي عن بكاء الشجي
وصادف بعد هذا بقليل أن شاهدها رضي الله عنه داخل بيت الله الحرام وهي تطوف بالبيت محلوقة الرأس تبكي وتلطم خدها وقد علقت نعل صخر في خمارها كما كانت تعمل المرأة في الجاهلية إذا أصيب لها كريم حلقت شعرها وأخذت تضرب رأسها بنعليها فتعقره وتلطم خديها وتمزق ثيابها ونهى الإسلام عن ذلك كله، فوعظ بها أمير المؤمنين فقالت: إني رزئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال: إن في الناس من هو أعظم مرزئة منك وإن الإسلام قد غطى ما كان قبله، وإنه لا يحل لك لطم وجهك وكشف رأسك. فكفت عن ذلك
عندما اتجه المسلمون لفتح فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان أولاد الخنساء كلهم وأمهم – فيما يقال – ضمن الذين خرجوا للجهاد وذات ليلة وقبل التحام الجيشين العربي والفارسي قدمت الشاعرة الأم الرؤوف لبنيها هذه الوصية الخالدة بما تحويه من افكار رائعة ودرر غالية:
«يا بني انكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو انكم لبنوا رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شعرت عن ساقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة».
فلما أضاء لهم الصبح تحرك المجاهدون على بركة الله تاركين مراكزهم وفي مقدمتهم أبناء الخنساء ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم، ولما التحم الجيشان قاتلوا في صبر وثبات، قاتلوا قتال الابطال حتى قتلوا عن آخرهم في هذه المعركة المعروفة بوقعة القادسية (16ه – 637 م) ولما بلغها الخبر قالت:
«الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته». وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطيها أرزاق بنيها الأربعة وظلت تأخذها إلى أن انتقلت إلى رحمة الله سنة 24ه -645 م وهكذا يظهر أثر الإسلام قويا في هذه الأم الصالحة التي طالما ندبت حظ أخويها وبكتهما البكاء المر، فلما جاء الإسلام شجعت أولادها بعقيدة راسخة على الجهاد من أجل دعوة الحق والصدق، وطابت نفسا حين علمت بخبر استشهادهم في سبيل الله
وكانت الخنساء من أشعر نساء العرب، وأشعر من كثيرٍ من الرجال، وكان الشاعر النابغة الذبياني يجلس لشعراء العرب في سوق عكاظ على كرسي، وينشدونه الشعر، فيفضل مَن يرى تفضيله منهم على نظرائه، وذات موسم أنشدته الخنساء من شعرها قصيدتها التي مطلعها:
قذىً بعينيك أم بالعين عوارُ
أمْ أقفرتْ إذْ خَلَتْ من أهلِها الدارُ
وَإِنَّ صَخراً لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ
كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُ
جَلدٌ جَميلُ المُحَيّا كامِلٌ وَرِعٌ
وَلِلحُروبِ غَداةَ الرَوعِ مِسعارُ
حَمّالُ أَلوِيَةٍ هَبّاطُ أَودِيَةٍ
شَهّادُ أَندِيَةٍ لِلجَيشِ جَرّارُ
نَحّارُ راغِيَةٍ مِلجاءُ طاغِيَةٍ
فَكّاكُ عانِيَةٍ لِلعَظمِ جَبّارُ
فقال النابغة للخنساء: لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) وحسان بن ثابت أنشداني آنفاً لفضَّلتك على شعراء هذا الموسم كلّهم، ولَقُلْتُ: إني لم أسمع مثل شِعرك. وقال النابغة الذبياني: "الخنساء أشعر الجن والإنس".
قيل لجرير من أشعر الناس ؟ قال أنا لو لا هذه الخبيثة (يعنى الخنساء )
فقيل لهُ: بماذا فَضَلَتْكَ؟
فقال جرير: بقولها:
إنَّ الزمان وما يَفْنَى لهُ عجبٌ
أبقى لنا ذَنَبًا، واستُؤصِل الرَّاسُ
أبقى لنا كلَّ مجهولٍ؛ وفجَّعَنَا
بالأكرمينَ، فَهُمْ هامٌ؛ وإرْمَاسُ
إنَّ الْجَدِيْدَيْنِ في طُولِ اختلافِهِمَا
لا يفسدان، ولكنْ يفسدُ الناسُ
قال بشار :لم تقل امرأة قط شعرا إلا تبين الضعف فيه ، فقيل له أوكذلك الخنساء ؟ قال تلك فوق الرجال
بعد أكثر من سبعين عاما من التعب والبؤس قضت معظمها فى العصر الجاهلي وقليلا فى الإسلام ، ماتت الخنساء – رضي الله عنها – مسلمة صاحبية من صحابيات النبي صلى الله عليه وسلم فى عام ٢٤للهجرة ، وهو ما يوافق عام ٦٤٥م ، وقد أدركت الخنساء انتصار الإسلام فى حياتها ، و كانت الخنساء ذائقة الصيت ، فبدأت ببكائها ورثائها أخاها صخراً ورثائها على سادات مضر ، ثم استشهاد أبنائها الأربعة ، وقد خصص لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى فترة خلافته مئتي درهم لكل من أبنائها الذين استشهدوا فى القادسية حتى ماتت رضي الله عنها.
أخي القارئ لا تنسى أن تُصَلِّ وتسلم على النبي محمد وآل محمد

رائعة رضي الله عنها وأرضاها
ردحذف